محمود صادق عمّاش: نسكنُ البلد… فهل ما زال يسكنُنا؟

تؤلمنا كلمةٌ تُقال عن بلدنا ونُسارع إلى الدفاع عنه حين ينتقص أحدٌ من أهله أو تاريخه ونستحضر حكاياته ونعدّد ما فيه من جمال ونقول باعتزاز: نحن من هنا…
لكنّ هذا الاعتزاز يضع أمامنا سؤالًا يستحقّ أن نسأله بهدوء: كيف نعامل هذا المكان وأهله في تفاصيل يومنا؟
يظهر الانتماء في أمورٍ قد نمرّ بها دون انتباه… كيف نترك الشارع بعد مرورنا وكيف نخاطب عاملًا يؤدّي واجبه وماذا نفعل حين نرى طفلًا يتلف مرفقًا سيحتاج إليه غدًا ويظهر في قدرتنا على الفرح بنجاح ابن بلدنا وفي إنصاف مَن نختلف معه وفي شعورنا بأنّ وجع أسرةٍ قريبة يعنينا ولو لم تجمعنا بها قرابة ويظهر أيضًا حين نرى مكانًا يحتاج إلى تنظيف فنشارك في كنسه وشطفه وترتيبه ونحرص بعدها على ألّا نترك عبئًا إضافيًّا على مَن يعتنون به كلّ يوم فالعناية بالمكان واحترام العاملين فيه، وجهان للمسؤوليّة نفسها…
أحيانًا أشعر أنّ المسافة بين بيوتنا أقصر بكثير من المسافة التي صارت بين قلوبنا. نعرف أخبار بعضنا بسرعة لكنّنا قد نتأخّر في السؤال تصلنا صورة الحادثة قبل أن نطمئنّ إلى أصحابها ونتداول حكاية إنسانٍ قبل أن نفكّر كيف ستصل إلى أطفاله ولا أقول ذلك تمجيدًا لماضٍ خالٍ من العيوب فقد كانت لنا خلافاتنا وقسوتنا أيضًا. وفي حاضرنا أيدٍ كثيرة تمتدّ وأناسٌ يحملون همّ غيرهم بصمت…
لكنّ هذه الروح تحتاج إلى مَن يرعاها حتى لا يتحوّل التعب إلى انكفاء ويصبح كلّ بيتٍ جزيرةً يحاول أهلها النجاة وحدهم…
ومن حقّ مَن يحبّ بلده أن يغضب من تقصيرٍ فيه وأن ينتقد ويطالب ويحاسب فالانتماء يجعل إصلاح الخلل مسؤوليّةً تعنينا جميعًا لأنّ أثره يصل إلى أهلنا وأبنائنا وجيراننا ولعلّ البداية أن نستعيد هذه الصلة أن نرى في المرفق العام شيئًا يخصّنا وفي الطفل الذي يعبر الشارع مسؤوليّةً تعنينا وفي كرامة جارنا جزءًا من كرامتنا وأن نسأل أنفسنا، قبل أن نعاتب الآخرين: ماذا تركنا نحن في هذا المكان؟
فالبلد يعيش في الطريقة التي نحفظ بها بعضنا وفي التفاصيل التي تجعل الإنسان يشعر أنّ له أهلًا، وأنّ غيابه يُلاحَظ وتعبه يجد مَن يسأل عنه.
وما زال بوسعنا أن نمنح كلمة “أهلنا” معناها كلّما شعر أحدٌ بيننا أنّه ليس وحده…
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com


