سعيد العفاسي: قراءة في مسرحية “طه”.. كتابة الذات بين الذاكرة الجريحة وأسئلة المنفى الفلسطيني على الخشبة

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

 

تنهض مسرحية «طه»، بدراماتورجيا علاء حليحل، وإخراج يوسف أبو وردة، وتشخيص عامر حليحل، بوصفها تجربة مونودرامية تتجاوز حدود السيرة الذاتية إلى مساءلة الذاكرة الفلسطينية على اعتبارها جرحًا مفتوحًا على الخشبة. العرض، الذي استمر لأكثر من اثني عشر عامًا وجاب أكثر من عشرين دولة، يقدّم الشاعر الراحل طه محمد علي كينونة درامية تتحرك بين الهزيمة والنجاة، بين الاقتلاع والتشبث بالحياة، وبين الحكاية الفردية والمصير الجمعي، حيث يتحول المسرح إلى فضاء للتمثيل، وطقس لاستحضار الذاكرة الكاملة، تُستعاد عبر الجسد والصوت والإيقاع والفراغ. ينطلق العرض من فكرة دراماتورجية دقيقة تقوم على تفكيك السيرة وإعادة تركيبها مسرحيًا، بحيث يصبح الشاعر نفسه مادة للفرجة، وصوته أداة لبناء العالم المسرحي. لنرى طه محمد علي شخصية مكتملة الملامح، وأثر يتشكل أمامنا تدريجيًا عبر الحكي. ومنذ اللحظة الأولى، حين يروي طه حكاية ولادته المتعثرة، وأنه جاء إلى العالم بعد إخوة ماتوا قبله، تتأسس العلاقة بين الشخصية والحياة بوصفها علاقة صراع مع قدر محتوم. يقول بصوت ساخر ومكسور في آن: “أنا جئت إلى الدنيا رغمًا عنها”، وكأن العرض كله ينطلق من هذه الجملة بوصفها مفتاحًا فلسفيًا وجماليًا لقراءة الشخصية.

وُلد الشاعر الفلسطيني طه محمد علي سنة 1931 في قرية صفورية بالجليل الفلسطيني، حيث تشكّلت ملامح طفولته الأولى قبل أن تعصف النكبة بمصيره ومصير عائلته عام 1948، فيغادرون إلى لبنان تحت وطأة التهجير والاقتلاع. غير أنّ موت شقيقته “غزالة” عجّل بعودتهم إلى الناصرة، المدينة التي ستصبح فضاءً لحياته وتجربته الشعرية والإنسانية. عرف طه الحب مبكرًا حين تعلّق بأميرة بدافع من العائلة، وظل وفيًّا لصورتها حتى النهاية، قبل أن يفاجأ بزواجها، فبقي ذلك الجرح العاطفي متسرّبًا إلى نبرة قصائده وتأملاته. لم يُكمل تعليمه الابتدائي، غير أنّه صنع ثقافته بعناد العصاميّ وشغف القارئ الحر، فحوّل المكتبة والحياة اليومية إلى مدرسة مفتوحة، حتى غدا من أبرز الأصوات الثقافية الفلسطينية، وجالس كبار المثقفين بوصفه ندًّا لا تابعًا. خلّف طه محمد علي تجربة شعرية وإنسانية متفرّدة، من أبرز أعمالها: «القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى»، و«ضحك على ذقون القتلة»، و«حريق في مقبرة الدير»، و«إله.. خليفة وصبي فراشات ملونات»، و«سيمفونية الولد الحافي – ما يكون»، إلى جانب عدد من القصص والنصوص السردية.

الدراماتورجيا في العرض المسرحي ”طه” تعتمد الحبكة التقليدية، وتبني إيقاعها على التتابع الحكائي والارتداد الزمني. فالذاكرة تصبح هي البنية الأساسية للعرض، حيث تتجاور الطفولة مع المنفى، والحب مع الخسارة، والقصيدة مع تفاصيل الحياة اليومية. هذه البنية المفتوحة جعلت العرض أقرب إلى سيرة تُروى شفهيًا داخل فضاء مسرحي، وهو ما منح العمل طابع الحكواتي المعاصر. لقد أدرك علاء حليحل أن شخصية طه محمد علي لا يمكن احتواؤها عبر البناء الدرامي الصارم، وتحتاج إلى فضاء يسمح للتداعي الحر والبوح الداخلي بأن يقودا الفعل المسرحي. ويأتي أداء عامر حليحل ليشكّل العمود الفقري للعرض. فهو لا يؤدي الشخصية بقدر ما يتقمص ذاكرتها، ويتحول إلى وسيط بين النص والجمهور. اعتمد المشخص (وليس الممثل) على اقتصاد حركي واضح، وعلى طاقة صوتية عالية مكّنته من الانتقال بين السخرية والحزن والدهشة دون افتعال. في لحظات كثيرة كان يبدو وكأنه ينسى وجوده على الخشبة ويتحول إلى راوٍ غارق في حكايته، الأمر الذي منح العرض صدقه الإنساني. غير أن هذا الانغماس في السرد جعله أحيانًا يقع في فخ الحكائية على حساب الفعل المسرحي (الدرامي)، إذ طغت سلطة الكلمة على دينامية الجسد والفضاء.

ومع ذلك، استطاع عامر حليحل أن يخلق لحظات تشخيصية بالغة الكثافة، خصوصًا حين يتوقف الحكي ليمنح الجسد فرصة للكلام. ففي مشهد “السخول الهاربة” مثلًا، كان الوصف بمثابة انكسار الجسد وتردد الصوت ونظرة العجز التي ارتسمت على وجهه. هنا يتحول المسرح إلى فضاء حسّي؛ نشم رائحة القهوة المتروكة فوق الحطب، ونرى البيوت الفارغة، ونسمع رجع القذائف في البعيد. لقد نجح العرض في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى علامات درامية تختزل مأساة شعب كامل. أما اللغة المسرحية في العمل، فقد جاءت منسجمة مع طبيعة الشخصية والعالم الذي تنتمي إليه. لغة بسيطة، شفافة، بعيدة عن البلاغة الزائدة، لكنها محمّلة بكثافة شعرية عالية. فطه محمد علي، الذي علّم نفسه بنفسه بعد أن حُرم من إكمال تعليمه، يظهر هنا كشاعر يصنع من المفردة اليومية أفقًا جماليًا وإنسانيًا. لذلك كان النص حريصًا على ألا يسقط في التنظير السياسي أو الخطابة، وظل وفيًا لروح الحكاية الإنسانية. لقد حافظ العرض على هشاشة الإنسان داخل العاصفة، ولم يحوّل الشخصية إلى رمز جامد أو خطاب أيديولوجي.

في المقابل، تبدو السينوغرافيا الحلقة الأضعف في العرض، رغم ما تحمله الفكرة الإخراجية من حساسية. فقد اكتفى الفضاء الركحي بمستطيل أصفر مؤطر بالأسود، مع كرسي ومحفظة، وهي عناصر لم تستطع أن تنتج تحولًا بصريًا موازياً لغنى الحكاية. كان بالإمكان توظيف السينوغرافيا بوصفها عنصرًا دراماتورجيًا فاعلًا، لا مجرد خلفية محايدة. فشخصية مثل طه محمد علي، بكل ما تحمله من تشظيات زمانية ومكانية، تحتاج إلى فضاء قادر على استيعاب تعدد الأمكنة وتحولات الذاكرة لتكن صلة وصل بين الماضي والحاضر. غير أن هذا الغياب النسبي للسينوغرافيا دفع المتلقي إلى التركيز أكثر على الممثل والحكاية، وهو ما ربما كان خيارًا مقصودًا من قبل المخرج. لقد راهن يوسف أبو وردة على قوة الأداء وعلى سلطة السرد الشفهي، فجاء العرض أقرب إلى فعل اعتراف جماعي. ومع ذلك، فإن الفراغ البصري ظل بحاجة إلى عناصر تمنحه عمقًا دلاليًا أكبر، خصوصًا أن المسرح المعاصر بات يبني معناه عبر تفاعل جميع العلامات الركحية.

في هذا السياق، لعبت الإضاءة، بتصميم معاذ الجعبة، دورًا أساسيًا في تعويض جزء من هذا الفراغ. فقد تحولت الظلال إلى شخصيات موازية، وكأنها أرواح الغائبين التي ترافق الحكواتي في رحلته. كانت الإضاءة تنحت جسد عامر حليحل داخل العتمة، فتخلق مستويات متعددة للحضور والغياب، وتجعل من الجسد الواحد أجسادًا كثيرة. بهذا المعنى، لم كانت الإضاءة امتدادًا دراماتورجيًا لفكرة الذاكرة نفسها؛ ذاكرة تتشظى وتعود باستمرار. أما الموسيقى التي وضعها حبيب شحادة حنا، فقد جاءت مقتصدة/ متقشفة لكنها فعالة. لم تتورط في الميلودراما، بل اشتغلت كخلفية وجدانية تستدعي المناخ الفلسطيني الشعبي. كما أن توظيف الأهازيج الفلسطينية منح العرض بعدًا جمعيًا، بحيث لم يعد طه فردًا معزولًا، وإنما صوتًا لجماعة كاملة تحمل وجع الاقتلاع والحنين. وتكمن قوة العرض الحقيقية في قدرته على المزج بين الواقعي والمتخيل. فالأحداث التي يرويها طه حقيقية، لكنها تُقدَّم عبر بناء مسرحي يجعل الواقع نفسه قابلًا لإعادة التخيل. ليجد المتلقي نفسه أمام تجربة شعورية تتجاوز التوثيق إلى إعادة خلق العالم. ولهذا بدت الخشبة وكأنها مساحة مشتركة بين الممثل والجمهور، يملؤها كل متفرج بصوره وذاكرته الخاصة.

إن مسرحية “طه” احتفاء بشاعر فلسطيني، وبقدرة الإنسان على تحويل الهامش إلى مركز، والهزيمة إلى فعل مقاومة جمالية. لقد استطاع العرض أن ينتصر للحكاية البسيطة، وأن يعيد الاعتبار لفن الحكواتي داخل قالب مسرحي حديث. ورغم بعض الاختلالات السينوغرافية، فإن العمل يظل تجربة مونودرامية ناضجة، تستند إلى نص شديد الإنسانية، وأداء ممثل يمتلك قدرة نادرة على الاستحواذ، وإخراج يعرف كيف يحوّل الذاكرة إلى فعل حي على الخشبة، لقد استطاع عامر احليحل أن يستحضر الشاعر الراحل طه محمد علي على خشبة المسرح لكي يعش المتلقي معه لحظة وجودية كاملة؛ لحظة يقف فيها الإنسان أعزل أمام العالم، لكنه يصرّ رغم كل شيء على أن يكتب، ويحب، ويروي حكايته حتى النهاية.

قدم العرض المسرحي”طه” مساء يوم الخميس سابع مايو/ أيار 2026 بالقصر الثقافي بمدينة كفرقرع

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى