د. رافع يحيى: قضيّة للنقاش… المشتركة: مخرج أم أزمة؟!

منذ اللحظة التي وُلدت فيها القائمة المشتركة عام 2015، بدا المشهد وكأنّ العرب في الداخل قد اكتشفوا أخيرًا معادلة القوة الممكنة داخل نظام سياسي لا يعترف أصلًا بسهولة بقوة العرب ولا بتأثيرهم. يومها، لم تكن المشتركة مجرد تحالف انتخابي عابر، بل بدت كأنّها “فكرة تاريخية” جاءت ردًا على رفع نسبة الحسم، أي ردًا على محاولة إقصاء العرب من الكنيست عبر القانون. وهنا المفارقة: أحيانًا يخلق الضغط السياسي وعيًا وحدويًا أكثر مما تصنعه الخطب والشعارات.

لكن السؤال اليوم لم يعد: كيف وُلدت المشتركة؟

بل: هل ما زالت مشروعًا إنقاذيًا، أم تحولت إلى أزمة سياسية ونفسية وتنظيمية؟

في البداية، يجب الاعتراف بأنّ المشتركة لم تكن يومًا مجرد تحالف تقني. كانت محاولة لإنتاج “كتلة قومية تفاوضية” قادرة على التأثير في بنية الحكم، وعلى منع تفتيت الصوت العربي. ولهذا أحبّها الناس. الناس لا تعشق الأحزاب عادة، بل تعشق الإحساس بالقوة. والمشتركة، في لحظة ما، منحت الشارع العربي هذا الشعور.

لكن هل كانت المشتركة حلمًا؟

أم فكرة استراتيجية؟

أم مجرد تكتيك انتخابي مؤقت؟

الحقيقة المؤلمة أنّها كانت الثلاثة معًا، وفي الوقت نفسه لم تكتمل أي واحدة منها بالكامل.

كانت حلمًا عند الجمهور الذي أراد رؤية العربي موحّدًا لا ممزقًا بين القيادات. وكانت استراتيجية عند بعض العقلاء الذين فهموا أنّ النظام السياسي الإسرائيلي يقوم على “الكتل الكبرى” لا على الجزر الحزبية المتناثرة. لكنها عند آخرين بقيت تكتيكًا انتخابيًا مرتبطًا بعدد المقاعد وتقاسم المواقع وترتيب الأسماء، ولهذا كلما اقتربت الانتخابات عاد السؤال القاتل: من الأول؟ ومن الثاني؟ ومن يملك “الفيتو”؟

وهنا تظهر الأزمة البنيوية الحقيقية.

فالسياسة ليست أخلاقًا فقط، بل إدارة مصالح وقوة وتوقيت. انظروا مثلًا إلى تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد. خصمان أيديولوجيًا، لكنهما اتحدا خلال أيام قليلة لإسقاط حكم بنيامين نتنياهو. لماذا؟ لأنهما فهمَا “لحظة الخطر” وفهمَا أنّ السياسة ليست حفلة نرجسية طويلة، بل قرار سريع حين يقترب القطار من المغادرة.

أما نحن، فما زلنا نناقش شكل الطاولة فيما البيت يحترق.

وهنا السؤال المؤلم:

هل خلافاتنا فعلًا أيديولوجية؟

أم أنّها حرب ايجو، ومقاعد، وصور، وبث مباشر، وكم لايك على فيسبوك؟

بعض الخلافات حقيقية بلا شك. هناك اختلاف في تعريف العلاقة مع المؤسسة الإسرائيلية، وفي أدوات العمل البرلماني، وفي سقف الخطاب الوطني والمدني. لكنّ جزءًا كبيرًا من الأزمة تحوّل مع الوقت إلى “سيكولوجيا زعامة”، لا إلى خلاف فكري عميق. ولذلك يشعر الشارع أحيانًا بأنّ القضية لم تعد مشروعًا سياسيًا، بل “طاسة وضايعة”، كما يقول الناس ببساطة جارحة.

المشكلة أنّ الوقت ليس في صالحنا.

المجتمع العربي يمرّ بحالة إنهاك سياسي واجتماعي:

عنف داخلي، تراجع ثقة، صعود الفردانية، تآكل الإيمان بالعمل الحزبي، وتنامي شعور بأنّ السياسة العربية تدور في حلقة مغلقة. وفي المقابل، اليمين الإسرائيلي يزداد تنظيمًا وتطرفًا وثقة بنفسه. نحن أمام انتقال خطير من “دولة تدير الصراع” إلى “دولة تعيد تعريف نفسها قوميًّا بصورة أكثر حدّة وإقصاء”.

في مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال عن المشتركة أكبر من سؤال المقاعد.

هل المشتركة ضرورة لمواجهة التطرف والعنصرية؟

جزئيًا نعم. لأنّ الصوت العربي الموحّد يخلق ثقلًا نفسيًا وسياسيًا وإعلاميًا داخل الكنيست وخارجه. الكتلة الواحدة تفرض حضورًا تفاوضيًا مختلفًا، وتمنع تبديد القوة الانتخابية. لكنها ليست الحل السحري الوحيد. فالوحدة الشكلية من دون مشروع سياسي واضح قد تتحول إلى عبء أيضًا.

الناس لا تريد فقط صورة جماعية.

تريد مشروعًا.

تريد خطابًا.

تريد رؤية اقتصادية واجتماعية ووطنية.

تريد من يواجه الجريمة كما يواجه العنصرية.

ويريدون أيضًا شيئًا بسيطًا جدًا: احترام عقولهم.

السؤال الحقيقي الآن:

ماذا يريد الشارع العربي؟

هناك من يرى أنّ قائمتين أفضل من قائمة واحدة، لأنّ ذلك يوسّع قاعدة التمثيل ويمنح الناخب خيارات متعددة، بشرط عدم السقوط تحت نسبة الحسم. وهناك من يرى أنّ التجربة أثبتت أنّ التشتت يضعف التأثير ويحرق الأصوات ويحوّل العرب إلى هامش سياسي.

برأيي، القضية ليست رقم القوائم بقدر ما هي “نوعية المشروع السياسي”. فقد تكون هناك قائمة واحدة ميتة سياسيًا، وقد تكون قائمتان أكثر حيوية وتأثيرًا. لكنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ندخل الانتخابات ونحن نبدو كمن يفاوض على المقاعد لا على مصير الناس.

والأخطر من ذلك أنّ الانتخابات القادمة قد تكون من أكثر الانتخابات حساسية منذ سنوات، لأنّها ستحدد شكل الائتلاف القادم في ظل تصاعد اليمين وتفكك الثقة الداخلية داخل إسرائيل نفسها. والعرب، مهما حاول البعض تهميشهم، ما زالوا قادرين على ترجيح الكفّة إذا امتلكوا وحدة قرار وحدًّا أدنى من البراغماتية السياسية.

كل المؤشرات تقول إنّ إسرائيل تتجه نحو انتخابات مبكرة خلال المرحلة القادمة، ربما قبل استقرار كامل للمشهد الداخلي، بسبب هشاشة التوازنات، والصراعات داخل الائتلاف، وملفات الحرب والمجتمع والاقتصاد. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الصوت العربي عنصرًا يمكنه التأثير في تركيب الحكومة أو منع تشكّل حكومة مستقرة بسهولة.

لكن هذا يحتاج إلى أمر واحد:

أن نفهم أنّ السياسة ليست حفلة خطابات.

نحن أمام مفترق تاريخي حقيقي، لا أمام نقاش عابر في استوديو تلفزيوني. إما أن تتحول المشتركة — أو أي صيغة وحدوية جديدة — إلى مشروع وطني عقلاني حديث، يفهم لغة العصر والتحالفات وموازين القوى، وإما سنبقى ندور داخل طاحونة الانقسام، بينما يمرّ التاريخ من جانبنا دون أن يلتفت إلينا.

فالسياسة، في النهاية، لا ترحم المتأخرين.

إكسال

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى