نادية كيوان: الحرية التي لا يراها أحد..!

ليس كل قيدٍ يُصنع من الحديد، فهناك قيود لا يراها أحد، لكنها تُثقل القلب أكثر من السلاسل.

قد يعيش الإنسان حرًا في حركته، يسافر حيث يشاء، ويتحدث كما يريد، لكنه في داخله أسير ذكرى لا تغادره، أو كلمة قاسية لم يستطع نسيانها، أو خيبةٍ ما زالت تمسك بروحه كلما حاول أن يبتسم.

نحن لا نتعب دائمًا من الأحداث، بل من تمسكنا بها. نعيدها في ذاكرتنا مئات المرات، نناقشها مع أنفسنا، ونبحث عن إجاباتٍ لن تأتي، حتى تتحول لحظة عابرة إلى إقامةٍ دائمة في داخلنا.

وهكذا نمضي في الحياة بأقدامٍ تتحرك، بينما أرواحنا ما زالت واقفة عند بابٍ أُغلق منذ سنوات.

ليس المطلوب أن نهرب من مشاعرنا، فالحزن حق، والغضب حق، والحنين حق، وحتى الدموع حق. لكن الخطأ أن نجعل شعورًا واحدًا يختصر حياتنا كلها.

فمن عاش أسير الحزن، لم يرَ الأفراح التي مرت بجانبه. ومن بقي رهين الغضب، أحرق قلبه قبل أن يمسّ غيره. ومن تشبث بما فقد، قد يفقد ما بقي له دون أن يشعر.

في كل مرحلة من العمر، هناك أشياء خُلقت لتبقى، وأخرى خُلقت لترحل. بعض العلاقات ينتهي دورها، وبعض الأحلام يتغير شكلها، وبعض الأشخاص لا يعودون كما كانوا، وبعض الطرق لم تعد تناسب من أصبحناه اليوم. وليس في ذلك هزيمة، بل سنة من سنن الحياة. فالأشجار نفسها لا تتمسك بأوراقها اليابسة، لأنها تعرف أن الربيع لا يأتي إلا بعد أن تترك ما لم يعد يمنحها الحياة.

كم نرهق أنفسنا بمحاولة السيطرة على كل شيء؛ على الناس، وعلى النتائج، وعلى الماضي، وعلى المستقبل، بينما الحقيقة أن الحياة لا تُدار بالقبضة المشدودة، بل بالقلب الهادئ. فكلما تعلمنا أن نُفلت ما لا نستطيع تغييره، ازددنا خفة، وكلما قبلنا أن بعض النهايات ليست عقابًا، بل بداية لطريقٍ آخر، شعرنا بأن أرواحنا تتنفس من جديد.

الحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تريد، بل أن تتحرر من كل ما يستنزف سلامك الداخلي. أن تستيقظ دون أن تحمل معك أوجاع الأمس، وأن تمنح يومك فرصةً ليكون مختلفًا، وأن تدرك أن قيمتك لا يحددها من رحل، ولا من أساء، ولا من خذل، بل ما بقي في قلبك من قدرة على النهوض والمحبة والعطاء.

حين تُطلق سراح مشاعرك من سجن التعلق، لن تصبح إنسانًا بلا إحساس، بل إنسانًا أكثر نضجًا. ستحزن دون أن تنكسر، وتحب دون أن تفقد نفسك، وتسامح دون أن تنسى دروسك، وتمضي دون أن تلتفت في كل خطوة إلى الخلف.

الحياة أقصر من أن نقضيها نحرس أبوابًا أغلقتها الأيام، وأثمن من أن نهدرها في مقاومة ما لا بد أن يرحل. فدع بعض الأشياء تذهب، ودع بعض النهايات تأخذ مكانها الطبيعي، وافتح قلبك لما يخبئه الله لك. فما كان لك سيصل إليك، وما غادرك لم يكن ليقيم إلى الأبد.. فالحرية ليست أن تتحرر من العالم… بل أن تتحرر من كل ما يمنع روحك من أن تعيشه بسلام.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى