رحيل سليمان منصور.. الفنان الذي حملت ريشته فلسطين والقدس إلى العالم

رام الله: غيّب الموت الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، صباح الاثنين 24 أغسطس/آب 2026، عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، كرّس خلالها أعماله لتوثيق الهوية الفلسطينية وتجسيد علاقة الإنسان بالأرض والقدس والتراث.
ويُعد منصور واحداً من أبرز رواد الفن التشكيلي الفلسطيني والعربي، إذ تحولت أعماله إلى جزء من الذاكرة البصرية الفلسطينية، خصوصاً لوحته الشهيرة “جمل المحامل” التي رسمها عام 1973، وصوّر فيها رجلاً فلسطينياً يحمل مدينة القدس فوق ظهره، في تعبير رمزي عن ثقل الوطن والتهجير والتمسك بالأرض.
وُلد منصور في بلدة بيرزيت قرب رام الله عام 1947، ودرس الفن في بيروت وواشنطن، قبل أن يبدأ مسيرة حافلة بالمعارض والجوائز والمشاركات الفنية داخل فلسطين وخارجها. وانتشرت أعماله في عدد من المتاحف والمجموعات الخاصة حول العالم.
ولم تكن فلسطين بالنسبة إلى منصور موضوعاً عابراً في لوحاته، بل شكلت محور تجربته الفنية. فقد استحضر القرى الفلسطينية والفلاحين والبيوت والملابس التقليدية والقدس، إلى جانب عناصر من التاريخ العربي والإسلامي وحضارات المنطقة، ليبني أسلوباً بصرياً ارتبط بالهوية الفلسطينية.
كما اتجه خلال مراحل مختلفة من تجربته إلى استخدام مواد من البيئة المحلية، بينها الطين والخشب والجلد والقش والحناء والألوان الطبيعية. وجاء ذلك بشكل خاص خلال الانتفاضة الأولى، عندما اتجه عدد من الفنانين الفلسطينيين إلى مقاطعة المواد الفنية الإسرائيلية وتأسيس تجربة فنية أكثر ارتباطاً بالبيئة المحلية.
وكان منصور أحد المشاركين في مجموعة “رؤية جديدة”، إلى جانب الفنانين فيرا تماري ونبيل عناني وتيسير بركات، وهي تجربة سعت إلى تطوير لغة فنية فلسطينية تستند إلى البيئة والتراث والمواد الطبيعية.
وتجاوز حضور منصور حدود اللوحة، إذ شارك في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وشارك في العديد من المعارض العربية والدولية، ليصبح اسمه مرتبطاً بمرحلة مهمة من تطور الفن الفلسطيني المعاصر.
ومن أبرز أعماله إلى جانب “جمل المحامل”، لوحات “طقوس تحت الاحتلال” التي أنجزها عام 1989، و”صبر وأمل” عام 1976، و”أنغام الصحراء” عام 1977، إضافة إلى “رمز الأمل” عام 1985، وغيرها من الأعمال التي تناولت الصمود والاحتلال والهوية والحياة اليومية للفلسطينيين.
وعقب إعلان وفاته، سادت حالة من الحزن في الأوساط الثقافية والفنية الفلسطينية، فيما استعاد كثيرون أعماله ورموزها، وعلى رأسها “جمل المحامل”.
واكتسبت اللوحة في السنوات الأخيرة دلالات جديدة لدى الفلسطينيين، بعدما ظهرت مشاهد لرجال يحملون أكياس الطحين على ظهورهم في قطاع غزة خلال الأزمة الإنسانية، وهو ما أعاد إلى الأذهان صورة الرجل الذي يحمل القدس في لوحة منصور.
وبوفاة سليمان منصور، يخسر الفن الفلسطيني أحد أبرز الأسماء التي نجحت في تحويل اللوحة إلى وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الهوية. إلا أن أعماله، بما تحمله من رموز الأرض والقدس والإنسان الفلسطيني، ستبقى حاضرة في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي.
ونعته وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان جاء فيه “ببالغ الحزن والأسى تنعى وزارة الثقافة الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور، أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، الذي شكلت تجربته الفنية على مدى عقود جزءا من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية”.
* جمعية الثقافة العربية تنعى قامة الفن الفلسطيني الكبير سليمان منصور
بقلوب يعتصرها الحزن، تنعى إدارة وطاقم والهيئة الإدارية لجمعية الثقافة العربية، ومعها المجتمع الفني والثقافي الفلسطيني، الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور، أحد أعمدة الفن الفلسطيني الحديث، وصاحب تجربة فنية استثنائية حملت فلسطين وذاكرتها وناسها إلى العالم.
رحل سليمان منصور بعد أن أدى دورًا تاريخيًا كفنان يرسم فلسطين ويحمل قضيتها العادلة؛ كما كان واحدًا ممن صاغوا صورتها البصرية في وجدان أجيال كاملة. في أعماله حمل الفلسطيني أرضه وبيته وذاكرته ووجعه، وحملت لوحاته ثقل معاناة قضية شعبنا على مدار عقود. ومن خلال ريشته تحولت الحكاية الفلسطينية إلى صورة عصيّة على المحو، وإلى ذاكرة تتناقلها الأجيال.
قبل أشهر قليلة، كان لنا في جمعية الثقافة العربية شرف تكريم سليمان منصور، تقديرًا لمسيرة عمر كاملة أغنى خلالها الفن والثقافة الفلسطينية، وللدور الذي أدّاه في تثبيت الرواية والذاكرة والهوية الفلسطينية. وقفنا أمامه يومها لنقول له وهو بيننا، بعضًا مما يستحقه من محبة وامتنان. ولم نكن نعرف أن ذلك التكريم سيكون تكريم الوداع.
برحيله تفقد الثقافة الفلسطينية وشعبنا بأكمله واحدًا من كبار مبدعيها، وتفقد الحركة الثقافية والفنية قامةً تركت أثرًا يتجاوز اللوحة والمعرض إلى الذاكرة الجمعية لشعب كامل.
نتقدم بأحرّ التعازي إلى عائلته ورفاقه وأصدقائه، وإلى الفنانات والفنانين والمثقفات والمثقفين، وإلى شعبنا الفلسطيني في كل مكان.
الوداع للجسد يا سليمان، أما الاسم والروح والفن، فباقية ما بقيت فلسطين وذاكرتها.
** سيرة ذاتية
سليمان منصور (مواليد 1947 في بيرزيت) هو تشكيلي فلسطيني يُعدّ من أبرز أركان الحركة الفنية المعاصرة في فلسطين*، وأحد مؤسسي حركة “نحو تجريب وتأصيل” التي دعت للبحث عن هوية فنية محلية تستخدم خامات الطبيعة كالطين والحناء.
أبرز المحطات والسمات الفنية
* لوحة “جمل المحامل” (1973): عمله الأشهر عالمياً، والذي يجسد عتالاً مسناً يحمل القدس على ظهره في شكل عين بيضاوية، لتصبح رمزاً بصرياً للصمود والهوية الفلسطينية.
* استخدام الخامات الطبيعية: خلال الانتفاضة الأولى، قاطع منصور والمجموعة الفنية الأدوات والدهانات المستوردة، واستبدلوها بالطين، الحناء، الشمع، والخشب للتعبير عن الارتباط الوثيق بالأرض.
* الرموز البصرية: تركز أعماله على رسم الأرض، أشجار الزيتون، النساء بالزي التراثي المطرز، والقرى الفلسطينية المهجرة.
* المؤسسات الفنية: ساهم في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وشارك في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس وأكاديمية فاتك الجمعة للفنون.
حصل منصور على عدة جوائز دولية ومحلية، من بينها جائزة اليونسكو للفن الثقافي (1998)، وتُعرض أعماله في متاحف ومعارض عالمية مرموقة.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



