ب. محمد أمارة – رئيس أكاديمية القاسمي: الصوت العربي وتحديات المرحلة

لا شك أن الانتخابات التي جرت يوم الثلاثاء كانت استثنائية بكل المقاييس، سواء من حيث الظروف التي أُجريت فيها أو حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها الدولة. فقد جرت في ظل حرب ما زالت تداعياتها مستمرة في المنطقة، وفي أجواء من التوتر السياسي والاجتماعي وتصاعد الخطاب اليميني المتطرف.
وبالنسبة إلى المجتمع العربي، لم تكن هذه الانتخابات مجرد منافسة على مقاعد الكنيست، بل فرصة للتعبير عن غضب متراكم ورغبة في التغيير. فقد شهدت السنوات الأخيرة استفحال العنف والجريمة، وتراجع الشعور بالأمان، واستمرار هدم البيوت، إلى جانب تصاعد التحريض ضد المواطنين العرب والتشكيك في ولائهم. وقد عززت هذه الأوضاع الشعور بالحاجة إلى تغيير النهج السياسي القائم.
في هذه الأجواء، أدركت قطاعات واسعة من المجتمع العربي أهمية المشاركة السياسية، بما فيها شرائح كانت تميل إلى مقاطعة الانتخابات، لكنها رأت في حساسية المرحلة ما يستدعي إعادة النظر في موقفها. وجاءت المشاركة الواسعة والنتائج الأولية اللافتة لتعكسا هذا التحول، وتحملا في طياتهما رسائل مهمة.
الرسالة الأولى أن المجتمع العربي قادر على التأثير حين يوحّد جهوده ويستنهض طاقاته. فقد أثبتت الانتخابات أن الصوت العربي يمكن أن يكون قوة مؤثرة في موازين القوى السياسية، وأن المشاركة ليست مجرد واجب مدني، بل وسيلة للدفاع عن الحقوق والمصالح.
أما الرسالة الثانية، فهي أن جمهورًا واسعًا من الناخبين العرب قال بوضوح: كفى! كفى للعنف والجريمة، وللتمييز والتحريض، وللسياسات التي لم تقدّم حلولًا كافية للقضايا الملحّة التي تواجه المجتمع العربي. لقد عبّر الناخبون عن رفضهم لهذا الواقع، وعن تطلّعهم إلى مستقبل أكثر أمنًا ومساواة.
وتتمثل الرسالة الثالثة في أن المجتمع العربي ليس مجرد طرف يتأثر بالقرارات السياسية، بل يستطيع أن يكون شريكًا في صنعها. وهذا تحوّل مهم ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، لا سيما أن قوة المجتمع لا تتحدد بعدد ممثليه في الكنيست فحسب، بل بقدرته على التنظيم والعمل المشترك.
لكن الإنجاز الانتخابي، مهما كان كبيرًا، لا يعني بالضرورة تحقيق إنجاز سياسي. وهنا تبدأ تحديات المرحلة المقبلة.
أول هذه التحديات يتعلق بموقف معسكر التغيير من الأحزاب العربية. فرغم وجود أصوات تدعو إلى التعاون معها، ما زالت قيادات أخرى تتحفظ على اعتبارها شريكًا سياسيًا. والسؤال المطروح: هل تكون الرغبة في تغيير الحكومة كافية لتجاوز هذه الحواجز، أم أن الخلافات السياسية والحسابات الحزبية ستمنع قيام تعاون حقيقي؟
أما التحدي الثاني، فيتمثل في تصاعد الخطاب الذي يشكك في شرعية المشاركة العربية. فقد ظهرت اتهامات بشأن نزاهة التصويت العربي، ومن المهم التعامل مع أي ادعاء وفق الأدلة والقانون، بعيدًا عن التحريض والتعميم. فالمشاركة السياسية حق لجميع المواطنين، ولا يجوز التشكيك في مشروعيتها لمجرد أن نتائجها لا تخدم هذا الطرف أو ذاك.
ويتمثل التحدي الثالث في مسؤولية الأحزاب العربية نفسها. فالمرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا أوسع، وتجاوزًا للخلافات الحزبية الضيقة، واتفاقًا على أولويات مشتركة. ولا يعني ذلك إلغاء التعددية السياسية، بل إدارتها بمسؤولية، ووضع مصلحة المجتمع فوق الحسابات الحزبية.
ومن هنا، أقترح أن تبادر الأحزاب العربية إلى تشكيل مجلس استشاري يضم أكاديميين وخبراء وناشطين مجتمعيين من مختلف المجالات. وتكون مهمته قراءة الواقع السياسي، واستشراف تحديات المرحلة المقبلة، وتقديم أفكار وتوصيات عملية تساعد القيادات على اتخاذ قرارات مدروسة. كما يمكن لهذا المجلس أن يسهم في بلورة رؤية مجتمعية أوسع، تربط العمل السياسي بقضايا الناس اليومية، وفي مقدمتها مكافحة العنف والجريمة، وتطوير التعليم والاقتصاد، ومعالجة قضايا السكن، وتعزيز المساواة.
نحن أمام مرحلة حساسة تحمل فرصًا مهمة، لكنها لا تخلو من تحديات كبيرة. والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاحتفاء بالنتائج، بل استثمارها بحكمة ومسؤولية، وتعزيز العمل المشترك، وبناء قوة مجتمعية قادرة على الاستمرار والتأثير.
لقد أثبت الصوت العربي أنه قادر على إحداث فرق في صناديق الاقتراع. أما التحدي الحقيقي، فهو تحويل هذا الإنجاز إلى قوة سياسية ومجتمعية تُحدث فرقًا في حياة الناس. فالإنجاز كبير، والتحديات أكبر، والمستقبل يحتاج إلى رؤية ووحدة وعمل.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



